أيها المسلمون:
إن للدجال فتنة عظيمة وإن معه نهران يجريان أحدهما تراه العين ماء أبيض والآخر تراه العين نار تأجج يقول النبي
: { فإما أدركن أحد فليأت النهر الذي يراه ناراً وليغمص ثم ليطأطئ رأسه فيشرب منه فإنه ماء بارد } [رواه مسلم].
هذا وإن الذي يرى الناس أنه ماء فهو نار تحرق. يمتحن الله بالدجال عباده بما يخلقه معه من الخوارق المشاهدة في زمانه، ويقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى من إحياء الرجل الميت الذي قتله، ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه وجنته وناره ونهريه واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، ومن لا يستجيب له يرد عليه أمره، تصيبهم السنة والجدب والقحط والقلة وموت الأنعام ونقص الأموال والأنفس والثمرات، يقع ذلك كله بقدرة الله تعالى ومشيئته ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل الذي أحياه بعد قتله ولا غيره.
يبتلي الرب به عباده في آخر الزمان فيضل به كثيراً ويهدي به كثيراً، ويكفر المرتابون، ويزداد الذين آمنوا إيماناً، لبثه في الأرض أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم وإسراعه في الأرض كغيث استدبرته الريح.
وأما نعته: فشاب جسيم أحمر أجلى الجبهة عريض النحر، فيه دفأ - أي انحناء - جعد الرأس، كثير الشعر، أعور العين، كأن عينه عنبة طافية، لا يولد له. قال تميم الداري عنه: أعظم إنسان رأيناه قط وأشده وثاقاً مكتوب بين عينيه كافر. وفي رواية لمسلم ثم تهجاه ك ف ر يقرأ ذلك كل مؤمن كاتب وغير كاتب.
يقول الإمام السفاريني رحمه الله: ( ينبغي لكل عالم أن يبث أحاديث الدجال بين الأولاد والنساء والرجال لاسيما في زماننا هذا الذي اشرأبت فيه الفتن وكثرت فيه المحن ).
إن العصمة من الدجال بالتمسك بالإسلام والتسلح بالإيمان ومعرفة أسماء الله وصفاته الحسنى على ضوء ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله، فالمسيح بشر يأكل ويشرب، والله تعالى منزه عن ذلك، والدجال أعور، وربنا ليس بأعور، والله لا يراه أحد قبل أن يموت، والدجال يراه الناس مؤمنهم وكافرهم.
أيها المسلمون:
أكثروا من التعوذ من فتنته ومن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، وفي لفظ لمسلم { من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف }، وفي لفظ { خواتمها } { عُصم من الدجال } وإذا سمعت بالدجال فانأ عنه، ولا تأته، فإن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات.
أيها المسلمون:
إذا خرج الدجال في آخر الزمان كثر أتباعه وعمت فتنته، ولا ينجو منه إلا قلة من المؤمنين، وعند ذلك ينزل عيسى ابن مريم في شرقي دمشق، عند المنارة البيضاء، ويلتقي حوله عبادُ الله المؤمنون، فيسير بهم قاصداً مسيح الضلالة ويكون الدجال عند نزول عيسى متوجهاً بيت المقدس، فيلحق به عيسى عند باب لُدِّ في فلسطين، فإذا رآه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، فيقول له عيسى: إن لي فيك ضربة لن تفوتني.
فيدركه عيسى فيقتله بحربته وينهزم أتباعه، فيتبعهم المؤمنون فيقتلونهم. وبقتله تنتهي فتنته العظيمة، والأمر لله من قبل ومن بعد.
عباد الله:
إن زمن عيسى بعد قتل الدجال زمن أمن ورخاء ورغد من العيش، يرسل الله مطراً لا يُكنُّ منه بيت مدر ولا وبر، ويقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك، فيومئذ تأكل الجماعة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرّسل - أي اللبن - حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس.
وتقع الآمنة على الأرض فترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، ويعد مكث عيسى عليه السلام في الأرض سبع سنين، يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، وتقوم الساعة وليس على وجه الأرض من يقول: الله الله وتطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا جميعاً، فذاك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، ويطبع على كل قلب بما فيه وكفى الناس العمل، وآخر أشراط الساعة الكبرى وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة نار عظيمة تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا.
وبعد:
أيها المسلمون فوعد الله حق والساعة آتية لا ريب فيها، والدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء والآزفة قد أزفت، ومن غفل عن نفسه تصرمت أوقاته ثم اشتدت عليه حسراته، فالآمال تطوى، والأعمار تفنى ومن أطال الأمل نسي العمل وغفل عن الأجل.
وفي صباح كل يوم ينعاك ضوءه، فالسعيد من أعد العدة واستعد للنقلة.
قال بعض الحكماء: عجبت ممن يحزن على نقصان ماله ولا يحزن على نقصان عمره، فاجتهد في العبادة وابكِ على الخطيئة، وفر من العقوبة. فالموفق من صرف أمله إلى ما يبقى وقطعه عما يفنى، لما حضرت محمد بن سيرين الوفاة بكى فقيل له ما يبكيك فقال: ( أبكي لتفريطي في الأيام الخالية، وقلة عملي للجنة العالية ).
استمع